Skip to main content

Posts

Showing posts with the label من كتاب

الخاتمة

يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة، قد رُفع لك  علم فشمر إليه فقد أمكن التشمير، واجعل سيرك بين مطالعة منته ومشاهدة عيب النفس والعمل والتقصير، فما أبقى مشهد النعمة والذنب للعارف من حسنة يقول: هذه منجيتي من عذاب السعير، ما المعول إلا على عفوه ومغفرته فكل أحد إليهما فقير، أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبى فاغفر لي، أنا المذنب المسكين وأنت الرحيم الغفور. ما تساوى أعمالك _لو سلمت مما يبطلها_ أدنى نعمة من نعمه عليك، وأنت مرتهن بشكرها من حين أرسل بها إليك، فهل رعيتها بالله حق رعايتها وهى في تصريفك وطوع يديك؟ فتعلق بحبل الرجاء وادخل من باب التوبة والعمل الصالح، (إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ)[فاطر:30] ،نهج للعبد طريق النجاة وفتح له أبوابها، وعرفه طرق تحصيل السعادة وأعطاه أسبابها، وحذره من وبال معصيته وأشهده على نفسه وعلى غيره شؤمها وعقابها، وقال: إن أطعتَ فبفضلى وأنا أشكر، وإن عصيت فبقضائى وأنا أغفر، (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ )[فاطر:34]. أزاح عن العبد العلل، وأمره أن يستعيذ به من العجز والكسل، ووعده أن يشكر له القليل من العمل، ويغفر له الكثير من الزلل، (...

مفسدات القلب الخمسة

للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل، والدار الآخرة، ويكشف عن طريق الحق ونهجه، وآفات النفس، والعمل، وقطاع الطريق؛ بنوره وحياته وقوته، وصحته وعزمه، وسلامة سمعه وبصره، وغيبة الشواغل والقواطع عنه. وهذه الخمسة تطفئ نوره، وتعور عين بصيرته، وتثقل سمعه إن لم تَصُمه وتُبْكِمَه، وتضعف قواه كلها، وتوهن صحته، وتفتِّر عزيمته، وتوقف همته، وتنكسه إلى وراءه، ومن لا شعور له بهذا فميت القلب، وما لجرح بميت إيلام، فهي عائقة له عن نبل كماله، قاطعه له عن الوصول إلى ما خلق له، وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه. فإنه لا نعيم له ولا لذة، ولا ابتهاج، ولا كمال؛ إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره، والفرح والابتهاج بقربه، والشوق إلى لقائه، فهذه جنته العاجلة، كما أنه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة، فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وقال بعض العارفين : إنه ليمر بالقلب أوقات أقول : إن كان أ...

أَخْلاقِ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لا يُرِيدُ بِهِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ

للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ت 360) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللهُ : فَأَمَّا مَنْ قَرَأُ الْقُرْآنَ لِلدُّنْيَا وَلأَبْنَاءِ الدُّنْيَا ، فَإِنَّ مِنْ أَخْلاقِهِ : أَنْ يَكُونَ حَافِظَاً لِحُرُوفِ الْقُرْآنِ ، مُضَيِّعَاً لِحُدُودِهِ ، مُتَعَظِّمَاً فِي نَفْسِهِ ، مُتَكَبِّرَاً عَلَى غَيْرِهِ . قَدْ اتَّخَذَ الْقُرْآنَ بِضَاعَةً يَتَأَكَّلُ بِهِ الأَغْنِيَاءَ ، وَيَسْتَقْضِي بِهِ الْحَوَائِجَ ، يُعَظِّمُ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا ، وَيُحَقِّرُ الْفُقَرَاءَ ، إِنْ عَلَّمَ الْغَنِيَ رَفَقَ بِهِ طَمْعَاً فِي دُنْيَاهُ ، وَإِنْ عَلَّمَ الْفَقِيرَ زَجَرَهُ وَعَنَّفَهُ ، لأَنَّهُ لا دُنْيَا لَهُ يَطْمَعُ فِيهَا ، يَسْتَخْدِمُ بِهِ الْفُقَرَاءَ ، وَيَتِيهُ بِهِ عَلَى الأَغْنِيَاءِ ، إِنْ كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ لِلْمُلُوكِ ، وَيُصَلِّي بِهِمْ طَمْعَاً فِي دُنْيَاهُمْ ، وَإِنْ سَأَلَهُ الْفُقَرَاءُ الصَّلاةَ بِهِمْ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، لِقِلَّةِ الدُّنْيَا فِي أَيْدِيهِمْ ، إِنَّمَا طَلَبُهُ الدُّنْيَا حَيْثَ كَانَتْ رَبَضَ عِنْدَهَا . ...

كيف تتلو القرآن حق التلاوة؟

للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ت 360) قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ [ البقرة: 121] قيل في التفسير : يعملون به حق عمله (1) . فينبغي لمن أحب أن يكون من أهل القرآن، وأهل الله وخاصته، وممن وعده الله من الفضل العظيم أن يجعل القرآن ربيعا لقلبه، يعمر به ما خرب من قلبه، ويتأدب بآداب القرآن، ويتخلق بأخلاق شريفة، تَبِينُ به عن سائر الناس ممن لا يقرأ القرآن. فأول ما ينبغي له : أن يستعمل تقوى الله عز وجل في السر والعلانية، باستعمال الورع في مطعمه، ومشربه، وملبسه، ومكسبه، ويكون بصيرا بزمانه وفساد أهله، فهو يحذرهم على دينه، مقبلا على شأنه، مهموما بإصلاح ما فسد من أمره، حافظاً للسانه، مميزا لكلامه. إن تكلم: تكلم بعلم، إذا رأى الكلام صوابا. وإذا سكت: سكت بعلم، إذا كان السكوت صوابا. قليل الخوض فيما لا يعنيه، يخاف من لسانه أشد مما يخاف من عدوه، يحبس لسانه كحبسه لعدوه؛ ليأمن من شره وسوء عاقبته، قليل الضحك فيما يضحك فيه الناس، لسوء عاقبة الضحك، إن سُر بشيء مما يوافق الحق تبسم، يكره المزاح خوفا من ا...